السيد محسن الأمين
147
أعيان الشيعة ( الملاحق )
وطواف حوله وغير ذلك ( قال ) قاضي القضاة تقي الدين أبو الحسن السبكي في محكي كتابه شفاء السقام في زيارة خير الأنام الذي يرد به على ابن تيمية : نحن نقطع ببطلان كلامه ( أي ابن تيمية ) وان المعلوم من الدين وسيرة السلف الصالحين التبرك ببعض الموتى من الصالحين فكيف بالأنبياء والمرسلين ومن ادعى ان قبور الأنبياء وغيرهم من الموتى المسلمين سواء فقد أتى امرا عظيما نقطع ببطلانه وخطائه وفيه حط لرتبة النبي ( ص ) إلى درجة غيره من المؤمنين وذلك كفر بيقين فان من حط رتبة النبي ( ص ) عما يجب له فقد كفر ( فان قال ) ان هذا ليس بحط ولكنه منع من التعظيم فوق ما يجب له ( قلت ) هذا جهل وسوء أدب ونحن نقطع بان النبي ( ص ) يستحق من التعظيم أكثر من هذا المقدار في حياته وبعد موته ولا يرتاب في ذلك من في قلبه شيء من الايمان انتهى ( وتوهم ) ان ذلك أو بعضه بدعة توهم فاسد لما عرفت في المقدمات من أنه يكفي في كون الشيء سنة دخوله في عمومات أدلة الشرع وفحاويها ولا يلزم النص عليه بخصوصه وقد فهم ضرورة من الشرع ان في القبر الذي ضم جسد سيد ولد آدم وأشرف المخلوقات بركة وأن له فضلا وذلك كاف في جواز التبرك به بجميع أنواع التبرك التي يرجى بها نيل بركته وما مر عن أحمد من أنه كان ينكره أشد الإنكار معارض بما مر من حكاية ولده عنه الترخيص فيه وقوله هكذا كان ابن عمر يفعل لا يدل على ترجيحه لفعله ولا يبعد ان يكون ترك ابن عمر له لظنه ان غيره أقرب إلى الأدب مع أنه معارض بما مر من أنه كان يضع يده على القبر وانه كره إكثار المس لا أصله وكراهته الإكثار لظن منافاته الأدب ومعارض بما مر من التزام أبي أيوب الأنصاري للقبر ورده على مروان ذلك الرد ومن تمريغ بلال وجهه ووضع خده عليه ووضع الزهراء ترابه على عينها واستشفاء ابن المنكدر به بوضع خده عليه وبالموضع الذي رآه فيه في النوم بتمرغه واضطجاعه فيه والاستشفاء أعظم من التبرك ولذلك اجازه أبو الصيف أحد علماء مكة والمحب الطبري وقال إن عليه عمل العلماء كما مر مع أن ابن عمر وسعيد ابن المسيب ويحيى بن سعيد شيخ مالك تبركوا بمسح المنبر كما مر الذي نال البركة بجلوس رسول الله ( ص ) عليه برهة من الزمان فكيف بقبره الذي بورك بوجود جسده الشريف على ممر الدهور والأعوام ولذلك استنبط بعض العلماء من تقبيل الحجر الأسود جواز تقبيل كل من يستحق التعظيم من آدمي وغيره وقد قال عمر اني لأقبلك واني اعلم انك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا اني رأيت رسول الله ( ص ) يقبلك ما قبلتك رواه ابن ماجة ولذلك جوز أحد علماء مكة تقبيل المصحف واجزاء الحديث كما مر وتقبيل المصحف عليه عمل المسلمين كلهم جيلا بعد جيل وروي أن النبي ( ص ) طاف راكبا وكان يستلم الركن بمحجنه ويقبل المحجن « 1 » رواه مسلم « 2 » وابن ماجة « 3 » وإذا جاز تقبيل المحجن لملامسة الركن أفلا يجوز تقبيل قبر حل فيه رسول الله ( ص ) ( لا يقال ) انما يجوز تقبيل المحجن اقتداء بفعل رسول الله ( ص ) ولو رأيناه يقبل القبر ما توفقنا في جوازه والعبادة مبناها على الاتباع ( لأنا نقول ) استفدنا من تقبيله المحجن الذي تبرك بملامسة الركن جواز تقبيل كل مستحق للتعظيم على نحو ما استفاد ذلك بعض العلماء من تقبيل الحجر الأسود كما مر وحكى القسطلاني في إرشاد الساري « 4 » . عن أصحاب المذاهب استلامه 147 باليد وتقبيلها والإشارة اليه باليدين وتقبيلهما ( ولو ) كان تقبيل قبر النبي ( ص ) عبادة له أو للقبر لكان تقبيل يده أو بدنه الشريف في حياته وبعد موته عبادة له لعدم تصور الفرق مع أنه قد روى أحمد بن حنبل في مسنده « 5 » . بسنده عن ابن عمر انه قبل يد النبي ( ص ) ( وقد ) قبل سواد بن غزية بطن رسول الله ( ص ) في غزوة بدر نقله في السيرة الحلبية « 6 » وأقره ( ص ) على ذلك وقبل كشحه سواد بن عمرو ولم ينهه رواه أبو داود كما في السيرة الحلبية ( وفيها أيضا ) عن الخصائص الصغرى : ومن خصائصه ( ص ) انه ما التصق ببدنه مسلم وتمسه النار ( أقول ) وليس ذلك الا ببركة بدنه الشريف فمن التصق بقبره الذي بورك بالتصاقه ببدنه الشريف يرجى له ذلك ( وأخرج ) ابن ماجة في سننه ان أبا بكر قبل النبي ( ص ) وهو ميت ( وعن ) كفاية الشعبي وفتاوى الغرائب ومطالب المؤمنين وخزانة الرواية ما هذا لفظه : لا بأس بتقبيل قبر الوالدين لأن رجلا جاء إلى النبي ( ص ) فقال يا رسول الله اني حلفت ان اقبل عتبة باب الجنة وجبهة حور العين فأمره ان يقبل رجل الأم وجبهة الأب قال يا رسول الله ان لم يكن أبواي حيين قال قبل قبرهما قال فإن لم أعرف قبرهما قال خط خطين انو أحدهما قبر الأم والآخر قبر الأب فقبلهما فلا تحنث في يمينك ( ومر ) في فصل الدعاء والاستغاثة تمسح الناس بالعباس لما استسقى به عمر فسقوا ( وعن القاضي عياض ) في شرح الشفا انه رؤي ابن عمر واضعا يده على مقعد النبي ( ص ) من المنبر ثم وضعها على جبهته أفيجوز التبرك بمقعد النبي ( ص ) من المنبر ولا يجوز التبرك بقبره الذي ضم جسده الشريف ( أما قول الغزالي ) ان مس المشاهد وتقبيلها عادة النصارى واليهود فيرده ما سمعت من أنه عادة المسلمين أيضا أكابرهم وأصاغرهم وكونه عادة النصارى واليهود لا يصير دليلا على منعه بعد ان ثبت من الشرع جوازه كما عرفت ( اما ) توهم ان اللمس أو كثرته وإلصاق البطن والظهر وإطالة الوقوف منافية للآداب فتوهم فاسد لأن فعل ذلك بقصد التبرك من تمام الأدب والاحترام وكذا إكثاره وإطالة الوقوف طلبا لزيادة البركة والثواب ليس فيه شيء من منافيات الآداب ( اما الطواف بالقبر ) فان أريد به انه مأمور به بخصوصه وانه عبادة خاصة كالطواف بالكعبة فهو تشريع محرم لكن هذا لا يقصده أحد وانما يقصد الطائف حصول البركة بل المبالغة في حصولها حتى لا يبقى جانب من القبر الا وتناله بركته شبيها بالطواف بالكعبة لا يوجب حرمته فإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى وليس كل شبيه بالعبادة يكون ممنوعا والا لحرم تقبيل الآدمي رحمه وتقبيل الميت لمشابهته تقبيل الحجر الأسود ولا يقول به أحد ( وفي تاريخ مكة المكرمة ) المسمى بالاعلام باعلام بيت الله الحرام لقطب الدين الحنفي « 7 » عن قصص الأنبياء ان إبراهيم ع لما جاء لزيارة ولده إسماعيل بمكة جاءته زوجة إسماعيل بحجر وهو حجر المقام الذي بني عليه الكعبة فجلس عليه فغاصت رجلاه في الحجر فغسلت شقيه الأيمن والأيسر وأفاضت الماء على رأسه وبدنه وانصرف فلما جاء إسماعيل وجد رائحة أبيه فسال زوجته فأخبرته وقالت هذا موضع قدميه فقبل موضع قدم أبيه من الحجر وحفظه يتبرك به إلى أن بنى عليه فيما بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام الكعبة انتهى فهل كفر أيها الوهابيون إسماعيل بتقبيله موضع قدم أبيه وتبركه
--> ( 1 ) بكسر الميم وسكون الحاء المهملة ونون عصا محنية الرأس ( المؤلف ) . ( 2 ) صفحة 380 ج 5 بهامش إرشاد الساري . ( 3 ) صفحة 115 ج 2 . ( 4 ) صفحة 161 ج 2 ( 5 ) صفحة 23 ج 2 ( 6 ) صفحة 171 ج 2 طبع عام 1320 . ( 7 ) صفحة 24 بهامش خلاصة الكلام طبع مصر .